محمد بن جرير الطبري

231

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

" فيه " ، فيكونُ معنى ذلك حينئذ : ألم الذي لا ريب فيه هاديًا . وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين ، أعني على وجه القطع من الهاء التي في " فيه " ، ومن " الكتاب " ، على أن " ألم " كلام تام ، كما قال ابن عباس إنّ معناه : أنا الله أعلم . ثم يكون " ذلك الكتاب " خبرًا مستأنفًا ، فيرفع حينئذ " الكتاب " ب‍ " ذلك " ، و " ذلك " ب‍ " الكتاب " ، ويكون " هُدًى " قطعًا من " الكتاب " ، وعلى أن يرفع " ذلك " بالهاء العائدة عليه التي في " فيه " ، و " الكتاب " نعتٌ له ؛ والهدى قطع من الهاء التي في " فيه " . وإن جُعِل الهدى في موضع رفع ، لم يجز أن يكون " ذلك الكتاب " إلا خبرًا مستأنفًا ، و " ألم " كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه ، إلا من وجه واحد ، وهو أن يُرفع حينئذ " هُدًى " بمعنى المدح ، كما قال الله جل وعز : ( ألم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ ) [ سورة لقمان : 1 - 3 ] في قراءة من قرأ " رحمةٌ " . بالرفع ، على المدح للآيات . والرفع في " هدى " حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه : أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ . والآخر : على أن يُجعل مُرافعَ " ذلك " ، و " الكتاب " نعتٌ " لذلك " . والثالث : أن يُجعل تابعًا لموضع " لا ريب فيه " ، ويكون " ذلك الكتاب " مرفوعًا بالعائد في " فيه " . فيكون كما قال تعالى ذكره : ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) [ سورة الأنعام : 92 ] . وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين ، أنّ " ألم " مرافعُ " ذلك الكتاب " بمعنى : هذه الحروف من حروف المعجم ، ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك ( 1 ) . ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه ، وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه ، فزعم أن الرفع في " هُدًى " من وجهين ، والنصبَ من وجهين . وأنّ أحد وَجهي الرفع : أن يكون " الكتابُ " نعتًا لِ " ذلك " و " الهدى " في موضع رفعٍ خبرٌ لِ " ذلك " .

--> ( 1 ) يعني بصاحب هذا القول ، الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 10 .